ادفن وجودك في أرض الخمول… حتى يكتمل نُضج روحك
حكمة صوفية خالدة بين ابن عطاء الله السكندري وشرح الإمام البوطي
في زمنٍ يعشق الظهور، وتتنافس فيه النفوس على لفت الأنظار قبل اكتمال البناء الداخلي، تعود إلينا إحدى الحكم العطائية العميقة التي لا تزال صالحة لكل زمان:
«ادفن وجودك في أرض الخمول؛ فما نبت مما لم يُدفن لا يتمّ نتاجه.»
هذه الكلمات العابقة بنَفَس الحكمة تذكّر الإنسان بأن العمل الحقيقي يبدأ في الداخل، في صمت القلب، قبل أن يُثمر خارجه.
قدّم كثير من العلماء شروحًا لهذه الحكمة، ومن أجملها ما فصّله الإمام الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي—رحمه الله—في كتبه ودروسه حول الحِكَم العطائية، حيث ركّز على معنى “الخمول” بمعناه الإيجابي: الخمول عن التطلّع للشهرة، لا الخمول عن العمل والجدّ والاجتهاد.
ما معنى أن "تدفن وجودك"؟
ليس المقصود أن يتخلى الإنسان عن طموحه أو أعماله، بل أن يخلّي قلبه من حب الظهور، وألا يبني خطواته على رغبة في التصفيق أو في لفت الأنظار.
يشبّه ابن عطاء الله الإنسان بالبذرة:
- البذرة التي تُلقى على السطح لا تنبت.
- أما التي تُدفن في الأرض، وتختفي فترة، هي وحدها التي تخرج قوية، صلبة، مثمرة.
وهكذا النفس البشرية:
لا يكتمل نُضجها إلا بعد مرحلة من العزلة الروحية، التربية الداخلية، الصمت، والاشتغال على الذات بعيدًا عن أعين الناس.
الإمام البوطي كان يؤكّد أن أشد الآفات على السالك والداعية والعالِم والمتعلم هي العجلة في الظهور قبل تمام التكوين.
لماذا الظهور المبكر خطر؟
يبيّن المقال أن الاندفاع إلى الأضواء قبل نضج النفس يؤدي غالبًا إلى:
- عمل غير مكتمل
لأن البناء الداخلي لا يزال هشًا. - نية مشوشة
يتسلل إليها حب التفوق والمنافسة بدل الإخلاص. - جهد سريع الذبول
مثل نبات لم تُمدّه أرض صلبة بالغذاء الكافي.
وفي شرح الإمام البوطي، نجد أن “الخمول” هنا تدريب للنفس على الصدق مع الله، لا مع نظرات الناس. هو دعوة للثبات والصبر حتى تكتمل جذور الروح قبل أن تعلو فروعها.
حين تنضج في الخفاء… سيظهر الله ثَمرتك
يمضي المقال إلى فكرة مركزية مهمة:
الأعمال التي تُؤسس في الخفاء هي التي تدوم، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة.
- إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح النفوس.
- والنهضة الحقيقية لا تُبنى بالصوت المرتفع، بل بالعمل الهادئ العميق، الذي يبقى طويلًا بعد ذهاب الوجوه.
هكذا فهم السادة الصوفية طريق السير إلى الله:
رحلة تبدأ من الداخل، ولا تُرى ثمارها إلا بعد حين.
كيف نطبّق هذه الحكمة اليوم؟
- قلّل من الحاجة للثناء
واعمل حتى لو لم يرك أحد. - خصص وقتًا للخلاء الروحي
قراءة، ذكر، تدبر، تطوير داخلي. - لا تتسرع في الظهور
دع أعمالك تتحدث بعد أن تشتد جذورك. - ركّز على الإخلاص قبل الإنجاز
فما عند الله لا يناله من يعمل لأجل الناس.